يا حسين .. أنت فين ؟
نقلا عن الكتاب العبقرى "الأسلام الديمقراطى" لكاتبه ابراهيم عيسى بتصرف محدود
اذا طقت معى صبرا سوف تعرف ماذا أريد أن أقول :
لما وصفوا لسيدنا الحسين بن على الوضع الذى ينتظره فى الكوفة حيث سيطر عليها بنو أمية , قالوا : أما أشراف الناس (أى أغنياؤهم) فقد أعظمت رشوتهم و ملئت غرائرهم (حقائبهم أو أرصدتهم فى البنوك) يستمال ودهم و يستخلص به نصيحتهم , فهم قلب واحد عليك.
و أما سائر الناس (العوام والفقراء و المساكين) فأن أفئدتهم تهوى اليك و سيوفهم غدا مشهورة عليك... أى ان أغنياء الناس أصحاب المصالح و المستغلين النافذين فى دهاليز القصور و المرابطين و المربوطين مع الساسة و أكابر السادة من الحكام دائما ينحازون الى مصالحهم و نفوذهم ضد دعاوى التغيير و الحق و المعارضة .
فالحقيقة أن ولاء المستبعدين المستضعفين و تلبيتهم لنداء الحق و العدل دائما أيسر و أقرب من استجابة الرأسمالية التى تبحث عن استمرار و استقرار الأوضاع السياسية و الأقتصادية طالما تمشت و تماشت مع المصالح و التحالفات المالية.
لكن المدهش حين تتراجع جموع الفقراء و الغلابة محدودى الدخل و أصحاب المصلحة الحقيقية فى التغيير و يقفون مع أسيادهم الذين يعذبونهم و يستغلونهم , أو يدافعون عن الأمراء و الحكام الذين يذلونهم و يمتصون دماءهم ...
هذا المشهد يصبح مذهلا فى تفاصيله , كيف لعاطل أو مريض بفيروس سى , أو مصاب أهله بالسرطان , أو فقير مش لاقى ياكل , أو موظف لايقدر على اكمال شهره إلا بالسلف أو الرشوة , كيف له أن ينتخب أو يبايع من تسبب فى هذا الفقر الدكر الذى يحياه ... هنا يظهر التاريخ و عن هذه اللحظة أحكى ,....
عندما دخل مسلم بن عقيل رسول الحسين الكوفة قادما بالأمل فى استنقاذ الناس من ضعفهم و استخلاص العدل من أنياب طغاتهم , فرح الناس به و هرعوا اليه , يلمسون أطراف ثوبه , يعانقون بأناملهم كفا لمست الحسين . و أخذ مسلم يتلقى البيعة تلو البيعة , من وجوه أبشرت و قلوب أقبلت و عقول تاهت و أجساد تأهبت , و سيوف أشرعت و صفوف تراصت و تماسكت .
و أحصاهم مسلم فوجد بيعة القوم اثنى عشر ألفا من أهل الكوفة .
اثنا عشر ألفا من أنصار الحسين ...
بينما تسلل فى الوقت نفسه عبيد الله بن زياد والى البصرة الذى أولاه يزيد الكوفة و نزل الى المسجد فصعد المنبر و معه أشراف الناس و شرطته و حشمه ,فحمد الله و أثنى عليه (آه من مقدمات خطب الطغاة) :-
"أما بعد .. أيها الناس فاعتصموا بطاعة الله و طاعة أئمتكم و لا تختلفوا ولاتفرقوا فتهلكوا و تًذلوا و تًقتلوا و تجنوا و تحرموا ... إن أخاك من صدقك , و قد أعذر من أنذر ..."
و ما كاد يهبط من المنبر حتى كانت الصيحات قد ملأت المسجد فارتجت لها فرائص الأمير ... فقد كان الهتاف عاليا مدويا : جاء بن عقيل ... جاء بن عقيل
فأسرع عبيد الله هاربا الى قصره و خلفه شرطته و رجال أمن دولته (..) و كان مسلم بن عقيل قد نادى فى أصحابه أن يخرجوا الى الناس و قد امتلأت بهم الدور و احتشدت جموعهم على الأسطح و ازدحمت صفوفهم فى الشوارع ... و من بين ثمانية عشر ألفا من مبايعته خرج مسلم بصيحته :
- يا منصور أمت
و هتف بالنداء الآلاف :
- يا منصور أمت
و سار أربعة آلاف جندى يقودهم مسلم إلى مقر الأمارة ... فغّلق عبيد الله الأبواب و اجتمع القادة (ثلاثون شرطيا و عشرون رجلا من أغنياء و مليونيرات الناس !!) فى الغرفة الواسعة المطلة على ساحة قصر الوالى و هدير الغضب يسطع فى سماء الكوفة المظلمة
أربعة آلاف خرجوا مع مسلم الى القصر .. الطريق فى سرعتهم و احتشادهم لا يستغرق أكثر من دقائق و فى النتظامهم لا يستدعى أكثر من سويعات قليلة .
هذا الوقت كان كافيا ليبقى مع مسلم ثلاثون جنديا !!!!!! ........
ثلاثون جنديا فقط ,,,,, 3970 جندى انصرفوا فى ساعات عن نصرة مسلم و باعوا بخوفهم و جزعهم و ضعفهم الحسين الى زياد ابن مرجانة (..)
فقد لعبها ابن زياد لعبة كاملة الصحة و الدهاء و هو فى لحظة قاتلة كادت فيها رأسه أن تعلق على أعلى خشبة فى الكوفة , و أعتمد فى هذا على أضلع الخيانة الأساسية ( التى ماكان أى زعيم سياسى فى القرن الخامس عشر الهجرى – دلوقتى يعنى – ليفعل غيرها مع الأحتفاظ بمقام التطور العلمى فوق الرءوس) ... ماذا فعل ابن مرجانة ؟؟
لم يكن معه إلا ثلاثون جنديا أشبه بالحرس الجمهورى (أو أمن الدولة) و لكنه أرسلهم إلى بوابات المدينة و مداخلها يلتقون بالآلاف الوافدة للقتال مع مسلم , يدخلون إلى قائد كل فريق و يصافحونه و يحيونه فيرد بأحسن منها و يطلبون منه ان يحفظ الدم و يتقى الله فى أهله وعشيرته , و يأتى إلى ابن زياد فيفاوضه و يسمع منه وله , و لما يدخل القصر و يسقط فى الشرك يسجن فورا ... فجلس القادة و انصرف العسكر و تردد الجمهور , ثم ماكان منه غلا أن يخطو الخطوة الثانية ..
فأرسل أشراف القوم أصحاب المصلحة الحقيقية فى بقاء يزيد بن معاوية خليفة , و ابن زياد واليا حيث الثراء للأثرياء و السلطان للأشراف و العدل لهم وحدهم .. و ليبق الفقراء لبكاء الليل و صدقات الأعياد و موائد الرحمن فى رمضان .. إنهم الأشراف الأثرياء أصحاب المصلحة الحقيقية فى غياب العدل و رمزه .
قام هؤلاء الأشراف بأكمل ما يمكن أن تقوم به إذاعات الحكم الموجهة و صحفه الحكومية
وبثت دعاياتهم فى الآلاف ...
" أيها الناس ألحقوا بأهليكم ولا تعجلوا الشر ولا تعرضوا أنفسكم للقتل , فأن هذه جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت و قد أعطى الله الأمير عهدا لئن أتممتم على حربه و لم تنصرفوا من عشيتكم أن يحرم ذريتكم العطاء و يفرق مقاتليكم فى مغازى أهل الشام على غير طمع و أن يأخذ البرئ بالسقيم و الشاهد بالغائب حتى لا يبقى له فيكم بقية من أهل المعصية إلا أذاقها وبال ما جرت أيديه ... "
هذا البيان – بحذافيره – تم صكه على مدى عشرات القرون الماضية لتثبيط الهمم و شراء الذمم و الضغط فوق الضعف و مغازلة ثم مضاجعة الغرائز .
الوعيد بالجيوش الخارجية القادمة تعصف و تقتل و تنصر , التهديد بالحرمان من العطايا (..) و تشريد الأبناء فى الجندية .. الإنذار بأخذ البرئ بالسقيم و الشاهد بالغائب دون تفرقة و بعقاب جماعى شامل .
الخطة الأعلامية محكمة و الدعاية السوداء بلغت مداها و مسعاها الى الحد المفجع الذى كانت فيه المرأة تأتى الى أبنها أو أخيها فتقول : ... انصرف الناس مش حتنفعك , و احنا مش قدهم يابنى , ارحم شيبة أمك .
و تقترب الزوجة من زوجها : ... دا بيقولوا حيسجنونا و يشردوا العيال , تعالى احنا مالنا ومال السياسة
و زوجة أخرى تقترب من زوجها و ابنها :
ماحنا بناكل و بنشرب و عايشين زى بقية الخلق ايه لازمتها المخبرين و العساكر و الجرى وراكم فى المعتقلات .... ده بيقولوا أن هما حيزودوا المرتبات
و آخرون يهتفون فى الأذن و يحدقون فى العيون :
ياعم دول ناجحين ناجحين , بلدهم و بلد أبوهم , ثم الحرامى اللى نعرفه أحسن من الحرامى اللى منعرفوش , أهو يزيد و أبوه شبعوا و غرفوا من فلوس بيت مال المسلمين .. ايشى عطايا و غنايم و هدايا و جوارى و قصور و استراحات .. حياخدوا ايه تانى نخاف عليه , أما لو جه حد جديد حيسرق من الأول و حلنى بقى على ما يشبع .. نكون متنا من الجوع.
و يقول الرجل الى أبنه و أخيه :
غدا يأتيك أهل الشام فما تصنع بالحرب و الشر؟؟أنصرف .. مش شايف يفط المبايعة و التأييد ليزيد ؟؟
و آخرون :
دا احنا شفنا فى برنامج " الخيمة خيمتك و الخيبة خيبتك " أن البلد كلها معاه .. نيجى ايه جنب الجيوش و العسس و الفلوس ؟؟؟
------ سمعت الكلام ده فين قبل كدة ؟؟ ----------
فيذهب الزوج مع زوجته و ينصرف الابن مع أمه و يرجع الرجل مع أولاده و بناته .. قرار و فرار و ضعف و خوف و تراجع و تردد و رغبة و رهبة .
فمازالوا يتفرقون و يرحلون حتى نظر مسلم حوله بعد صلاة المغرب فلم يجد إلا ثلاثين نفسا !!
من يضبط مشاعر الرجل فى هذا الوقت العصيب و اللحظة المميتة ؟؟ 3970 جندى يرحلون عن قائدهم , فيظل وحيدا بالمسجد بلا سند أو درع .
لم يكن مسلم ابن عقيل ساعتها يشعر بشئ لنفسه , لكن كان همه الأول الأوحد على الحسين القادم من جنة الحلم بالعدل الى صحراء الواقع المظلم .
و خاصة أن مسلما خرج من باب المسجد فى عشرة فقط من جنوده و قد انصرف عشرون .. ثم سار قليلا فهرب العشرة الصامدون أخيرا و صار وحيدا فى ظلام الكوفة !!!
و كأن الحق و العدل على وعد بالخيانة دائما تحول بينه و بين تحقق الهدف و بلوغ المرام .. و كأن القدر يؤكد للحسين ليؤكد لنا أن أكثر مافى البشر وضاعة يبرز يوم يكون أشرف مافى الأنسان قد تم أسره داخل المال و سجنه فى قلب الخوف و الجبن و اعتقل فى جب المطامع .
و يدخل ابن عقيل مكبلا بأغلاله الى قصر الحاكم و ينتصب ابن زياد حاكما ظالما و ديكتاتورا بشعا متكررا : " اصعدوا به فوق القصر فاضربوا عنقه ثم اتبعوا جسده برأسه ."
جروا مسلما الى السطح و هو يكبر و يستغفر و يصلى على الله و رسوله وقد أذاع قاتله أن آخر كلمات قالها مسلم بن عقيل هى : "اللهم أحكم بيننا و بين قوم كذبونا و غرونا و خذلونا و قتلونا ."
ثم ضرب عنقه ... و ألقى بجسده من فوق القصر و بعد لحظات من الصمت المفزع .. ألقوا برأسه فوق بلاط القصر .
ماحدث للحسين بعد وصوله نستكمله الأدراج القادم ان بقى لنا عمر
كتبها أحمد بدوى في 07:27 مساءً ::
تعليق واحد
في20,حزيران,2007 - 08:00 مساءً, أحمد بدوى كتبها ...
كنت رافض أنقل حاجات كتبها ناس تانية هنا بس لقيت فيه حاجات لازم الناس تقراها و بتخدم هدفى الأساسى و هو "التثقيف" و أتمنى أن اللى يقرا جزء من كتاب هنا و يعجبه يدور عليه و يقراه
كنت عاوز أبدأ بأجزاء من كتاب "رؤية أسلامية" للفيلسوف المصرى العظيم د.زكى نجيب محمود بس بدأت بكتاب ابراهيم عيسى و اخترت الجزء ده بالذات لأنه فيه شبه من اللى حصل و بيتكرر كل يوم فى مصر و الدول العربية مع كل واحد بيقف ضد الظلم و الفساد من أول الشيوعيين لحد الأخوان مرورا بالليبراليين و المستقلين
المشكلة بس فى الوقت الكتير اللى بيضيع فى النقل من الكتاب للكمبيوتر و من الكمبيوتر للمدونة و مش بيخلينى أقدر أعمل حاجة تانى
ملحوظة أخيرة .. الكتب دى مش بتاعتى .. دى أنا مستلفها من هانى صاحبى .. يعنى موضوع الفلوس مش حجة عشان متقراش .. و شكرا يا هانى
الاسم: أحمد بدوى
